الجصاص

151

أحكام القرآن

فقال : ما بين لنا أحد بيانك لنا ، ولو علم صاحبنا به لظننت أنه لا يقيم على قوله ولكن غفل وضعف عن كلامه ، قال : فرجع عن قولهم وقال الحق عندي في قولكم ولم يصنع صاحبنا شيئا " . ولا ندري من كان هذا السائل ولا من صاحبهم الذي قال لو علم صاحبنا بهذه الفروق لظن أنه لا يقيم على قوله ، وقد بان عمى قلب هذا السائل بتسليمه للشافعي جميع ما ادعاه من غير مطالبة له بوجه الدلالة على المسألة فيما ذكر ، وجائز أن يكون رجلا عاميا لم يرتض بشئ من الفقه ، إلا أنه قد انتظم بذلك شيئين : أحدهما الجهل والغباوة بما وقفنا عليه من مناظرته وتسليمه ما لا يجوز تسليمه ومطالبته للمسؤول بالفروق التي لا توجب فرقا في معاني العلل والمقايسات ، ثم انتقاله بمثل ذلك إلى مذهبه على ما زعم وتركه لقول أصحابه ، والآخر : قلة العقل ، وذلك أنه ظن أن صاحبه لو سمع بمثل ذلك رجع عن قوله ، فقضى بالظن على غيره فيما لا يعلم حقيقته . وسرور الشافعي بمناظرة مثله وانتقاله إلى مذهبه يدل على أنهما كانا متقاربين في المناظرة ، وإلا فلو كان عنده في معنى المبتدئ والمغفل العامي لما أثبت مناظرته إياه في كتابه ، ولو كلم بذلك المبتدؤون من أحداث أصحابنا لما خفى عليهم عوار هذا الحجاج وضعف السائل والمسؤول فيه . وقد ذكر الشافعي أنه قال لمناظره : " جعلت الفرقة إلى المرأة بتقبيلها ابن زوجها والله لم يجعل الفرقة إليها ؟ قال : فقال : فأنت تزعم أنها تحرم على زوجها إذا ارتدت ؟ قال : قلت : وأقول إن رجعت وهي في العدة فهما على النكاح ، أفتزعم أنت في التي تقبل ابن زوجها مثله ؟ قال : لا " . قال أبو بكر : فأنكر على خصمه وقوع التحريم من قبل المرأة ، ثم قال هو بها وجعل إليها الرجعة كما جعل إليها التحريم . ثم قال الشافعي : " فأقول إن مضت المدة فرجعت إلى الاسلام كان لزوجها أن ينكحها ، أفتزعم في التي تقبل ابن زوجها مثله ؟ قال : والمرتدة تحرم على الناس كلهم حتى تسلم ، وتقبيل ابن الزوج ليس كذلك " . قال أبو بكر : فناقض على أصله فيما أنكره على خصمه ، ثم أخذ في ذكر الفروق على النحو الذي مضى من كلامه ، ولم أذكر ذلك لأن في مثله شبهة على من ارتاض بشئ من النظر ولكن لأبين مقادير علوم مخالفي أصحابنا ومحلهم من النظر . وأما ما حكى عن عثمان البتي في فرقه بين الزنا بأم المرأة بعد التزويج وقبله فلا معنى له ، لأن ما يوجب تحريما مؤبدا لا يختلف في إيجابه ذلك بعد التزويج وقبله ، والدليل عليه أن الرضاع لما كان موجبا للتحريم المؤبد لم يختلف حكمه في إيجابه ذلك قبل التزويج وبعده ، وإنما قال أصحابنا : إن فعل ذلك بالرجل لا يحرم عليه أمه ولا بنته ، من قبل أن هذه الحرمة إنما هي متعلقة بمن يصح عقد النكاح عليها ويجوز أن تملك به ،